
بعد أكثر من عام ونصف على سقوط نظام الأسد، وثقت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” 14 حالة تعرض فيها أشخاص للتعذيب أو توفوا أثناء الاحتجاز في سوريا، بين حزيران (يونيو) 2025 وحتى حزيران (يونيو) 2026، مستندة إلى 19 شهادة لناجين وأقارب وشهود، إلى جانب مراجعة بيانات رسمية وتقارير حقوقية وإعلامية ومصادر مفتوحة.
وقالت المنظمة، في تحقيق استقصائي نشرته في 13 آب (أغسطس)، إن الشهادات التي جمعتها تشير إلى استمرار ممارسات الضرب المبرح والصعق الكهربائي والإذلال والتهديد والحرمان من الاحتياجات الأساسية، إضافة إلى وقوع وفيات داخل مراكز احتجاز رسمية وغير معلنة، وعند الحواجز وخلال عمليات النقل والتحقيق.
وأوضحت أن الحالات التي راجعتها لا تمثل حصرًا شاملاً لجميع الوقائع خلال الفترة المذكورة، وإنما يسعى التحقيق إلى تحليل الممارسات المتكررة و البيئات المؤسسية والأمنية التي تسمح باستمرارها.
التعذيب لا يقتصر على غرف التحقيق
وبحسب التحقيق، لم يقتصر التعذيب في الحالات التي وثقتها المنظمة على غرف التحقيق، إذ بدأ في عدد منها منذ لحظة التوقيف، فيما تضمنت الشهادات الضرب والصعق الكهربائي والتهديد بالقتل والإعدام، والإعدام الوهمي، والإذلال، إلى جانب أشكال من العنف والتعذيب الجنسي.
كما قالت المنظمة إن بعض الانتهاكات ارتبطت بالهوية الطائفية أو الإثنية أو السياسية، والعمل أو الخدمة العسكرية السابقة، والمنطقة التي ينحدر منها الشخص، ومحتويات هاتفه، مشيرة إلى أن الإهانات الطائفية والإثنية والسياسية رافقت الضرب والاستجواب في عدة حالات.
وفيات داخل أماكن الاحتجاز
وتناول التحقيق حالات وفاة وقعت داخل أماكن احتجاز تابعة لجهات مختلفة، وقالت المنظمة إن بعض الأسر أُبلغت بأن الوفاة نتجت عن حالة صحية، بينما تحدثت أسر أخرى عن إصابات أو علامات على الجثامين اعتبرتها مؤشرات على تعرض أصحابها للعنف.
وأكدت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” أنه لا يمكن الجزم بالسبب الطبي للوفاة في كل حالة، في ظل غياب تقارير طبية مستقلة أو نتائج تحقيقات معلنة، معتبرة أن وقوع الوفاة أثناء الاحتجاز، إلى جانب وجود ادعاءات جدية بالتعذيب، يستوجب تحقيقاً فورياً ومستقلاً وشفافاً.
جهات احتجاز متعددة
ولا تشير الوقائع التي يوثقها التحقيق بحسب المنظمة، إلى وجود جهاز احتجاز واحد أو سلسلة قيادة مركزية واحدة تدير جميع الانتهاكات، وإنما إلى هياكل احتجاز متعددة ومتداخلة تضم أجهزة أمنية وشرطية وتشكيلات عسكرية وفصائل مسلحة وقوى محلية، إلى جانب مقرات مؤقتة أو غير معلنة.
وترى المنظمة أن تعدد الجهات ومرافق الاحتجاز وعمليات النقل غير المعلنة خلق فجوات في المسؤولية، وصعّب على الأسر والمحامين تتبع المحتجزين وتحديد مكان وقوع الانتهاك، في ظل غياب سجلات موحدة ومحاضر تسليم وفحوصات طبية مستقلة توثق حالة المحتجز خلال مراحل الاحتجاز المختلفة.
ضعف الضمانات الأساسية للاحتجاز
وخلصت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” إلى أن استمرار التعذيب ارتبط بغياب أو ضعف الضمانات الأساسية للاحتجاز، وفي مقدمتها التسجيل الفوري، وإبلاغ الأسرة، والوصول إلى المحامي، والعرض السريع أمام القضاء، والفحص الطبي المستقل، وحصر الاحتجاز في مرافق معلنة وخاضعة للرقابة.
وقالت المنظمة إن التعذيب وقع غالبًا خلال الفترة التي انفردت فيها الجهة المحتجزة بالسيطرة على الشخص وعلى المعلومات المتعلقة به، من دون رقابة قضائية أو خارجية فعالة.
التحقيق لا يعني المساءلة
وأشارت المنظمة إلى أن جهات معنية أعلنت، في بعض الوقائع، فتح تحقيقات أو تشكيل لجان لتقصي ملابسات الوفاة أو إساءة المعاملة، لكنها قالت إن الإعلان عن التحقيق لا يشكل بمفرده دليلاً على تحقق المساءلة.
وأضافت أنه لا توجد منظومة علنية تتيح تتبع عدد الشكاوى والتحقيقات والإحالات القضائية والأحكام والتدابير المتخذة لمنع تكرار الانتهاكات، كما لا تتوافر معلومات كافية عن استقلال التحقيقات ومشاركة الأسر وامتدادها إلى المسؤولين القياديين.
ودعت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” السلطات الانتقالية إلى اتخاذ تدابير عاجلة لمنع التعذيب، وإغلاق مراكز الاحتجاز غير الرسمية، وإجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، إلى جانب ضمان وصول المحتجزين منذ اللحظة الأولى إلى أسرهم ومحاميهم والقضاء والطبيب، وتوفير الحقيقة والإنصاف وجبر ضرر الضحايا وأسر المتوفين والمختفين بعد التوقيف.

