
تُعد اليمن من أكثر دول العالم انكشافًا أمام التغيرات المناخية، وسط أزمة إنسانية متفاقمة تتقاطع فيها الحرب والنزوح مع كوارث السيول والفيضانات وإرتفاع درجات الحرارة، وتمتد تداعيات التغيرات المناخية إلى صحة النساء الحوامل وتشكل آثار التغير المناخي ضغوطًا نفسية وجسدية مرتبطة بالحمل والولادة.
وتواجه النساء الحوامل صعوبات متزايدة في الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية والولادة في المناطق المتضررة من السيول والفيضانات ولا تقتصر المخاطر على صعوبة الوصول فقط، بل تمتد إلى التأثيرات المباشرة للظواهر المناخية القاسية على صحة الحوامل.
أجهضت طفلي وكدت أموت
تعاني نساء كثيرات من مضاعفات الحمل، تصل إلى حد الإجهاض أو الولادة المبكرة، نتيجة عدم الوصول الى مراكز الرعاية الصحية، ليجدن أنفسهن مضطرات للولادة داخل المنازل. تقول سميرة (23 عامًا): “لم أستطع طول فترة الحمل من زيارة طبيبي باستمرار أو الذهاب إلى المراكز الصحية، بسبب ارتفاع درجات الحرارة وشعوري بالتعب المتواصل وإصابتي بضغط الحمل”، وتضيف لـ”عابر”: “أجهضت ومات جنيني، وكدت أموت بسبب تسمم الحمل”.
وفي هذا السياق، تُفيد دراسه نُشرت عام 2020، أن تعرض النساء الحوامل لدرجات حرارة مرتفعة قد يؤدي إلى زيادة مخاطر الولادة المبكرة وموت الجنين، وكذلك قد يهدد صحة الجنين.
ونتيجة الظروف المناخية المتطرفة، تعذر وصول الأفراد إلى المستشفيات لتلقي الرعاية الصحية. فمن بين كل 1.100 شخص، فإن 20 امرأة حامل على الأقل لا تتوفر لهن سوى فرص ضئيلة للحصول على هذه الرعاية، وفق تقرير لصندوق الأمم المتحدة للسكان، نُشر في 2023.
أُصيب طفلي بضمور في الدماغ
وفي المناطق النائية والمتضررة بفعل الكوارث المناخية، تكون الصعوبة مضاعفة على النساء الحوامل، إذ تُصعب الطرقات المقطوعة الوصول إلى الخدمات الطبية، وكذلك تضرر المرافق نفسها، ويكون الأمر أكثر سوءًا في حالات الطوارئ.
تروي فاطمة، البالغة من العمر 27 عامًا: “حاولت القابلة إخراج طفلي، لكنه كان في وضعية عرضية، ولم تتمكن من إخراجه إلا بعد مرور وقت خلال عملية الولادة، تعرّض طفلي لنقص حاد في الأوكسجين، وكان بحاجة إلى دخول الحضانة الخاصة بالأطفال حديثي الولادة والرعاية الطبية بشكل فوري، لكن بُعد المستشفيات، ووجودي في منطقة نائية من محافظة الحديدة، حالا دون حصوله على الرعاية المطلوبة في الوقت المناسب وأصيب طفلي نتيجة ذلك بضمور في الدماغ”.
وخلال حديثها مع “عابر” لم تتمالك فاطمة دموعها وهي تستعيد تلك اللحظات، تقول إن أكثر ما يؤلمها هو أن طفلها البكر لن يعيش حياته كما يفترض أن يعيشها أي طفل لا يعاني حالته. وتزداد غصتها كلما نظرت إلى طفل يلعب أمامها، متخيلةً كيف كان يمكن أن تكون حياة طفلها لو أنه تلقى العلاج المطلوب.
وتتضاعف هذه المخاطر لدى النساء اللواتي يعشن ظروفًا اقتصادية وإنسانية هشة، وبينهن معيلات الأسر، إذ يجدن أنفسهن أمام أعباء معيشية ونفسية وصحية متزايدة، في وقت تتراجع فيه قدرة النظام الصحي على الاستجابة للاحتياجات الأساسية.
وتشير تقارير دولية الى أن إنعدم انتظام سقوط الأمطار بشدة وانخفاض الإنتاجية الزراعية تسببا في انعدام الأمن الغذائي لأكثر من 17 مليون شخص، بما في ذلك الحوامل والمرضعات ممن يعانون من سوء التغذية الحاد، وما يقرب من 3.5 مليون طفل دون سن الخامسة.

10% تُعاني أمراضًا جلدية
في مدينة الخوخه (أقصى جنوب محافظة الحديدة)، تقول الدكتورة سميرة بوخمي، وهي طبيبة توليد، إن الكوارث الطبيعية، ولا سيما السيول المصحوبة بالرعد والصواعق، تترك آثارًا مباشرة على بعض النساء الحوامل اللواتي تستقبل حالاتهن ميدانيًا.
وتضيف لـ”عابر”: “أن بعض الحالات تصل وهي تعاني من نزيف يسبق الإجهاض أو فقدان الجنين، بينما تتعرض حالات أخرى لإجهاض مبكر، مشيرة إلى أن الصدمة النفسية المصاحبة لفقدان الجنين قد تترافق أيضًا مع أعراض صحية أخرى، بينها الإسهال الحاد”.
وتوضح أن إرتفاع ضغط الدم يمثل أحد أبرز المضاعفات التي تلاحظها بين الحالات، وأن نحو 10 في المئة من الحالات التي تتعامل معها تعاني من أمراض جلدية.
ولا يتوقف أثر الكارثة عند الجانب الطبي المباشر، إذ قد يتحول الطريق نفسه إلى عامل خطر، فالسيول التي تقطع الطرق أمام النساء في المناطق النائية تعني أن الوصول إلى الرعاية التوليدية قد يصبح مسألة وقت حاسمة، خصوصًا في حالات النزيف أو ارتفاع ضغط الدم أو تعسر الولادة.
وتؤكد بوخمي أن أغلب حالات تعسر الولادة التي تصل إليها تكون مرتبطة بارتفاع ضغط الدم، مشيرة إلى أن التعامل معها يتم علاجيًا ونفسيًا حتى تستقر الحالة وتتم الولادة بأمان.
غياب البيانات الرسمية
على المستوى الرسمي، تبدو إحدى أكبر مشكلات التعامل مع تأثير المناخ على صحة الحوامل في اليمن هو غياب نظام قادر على قياس حجم المشكلة بصورة دقيقة.
تؤكد نجوى عبدالله، مديرة المناخ في وزارة الصحة اليمنية “إن الوزارة لا تملك رصدًا يوضح ارتفاع مضاعفات الحمل والولادة المرتبطة بموجات الحر والفيضانات والكوارث المناخية، كما لا يوجد نظام إنذار مبكر مرتبط بالطقس”.
وتضيف لـ”عابر: “لا تستطيع الوزارة تقديم أرقام محددة حول حالات الولادة المبكرة أو الإجهاض أو فقدان الأجنة التي يمكن ربطها مباشرة بالتعرض للحرارة أو غيرها من الظواهر المناخية” وذلك لافتقار وزارة الصحة إلى الخدمات والأجهزة التي تُستعمل في إحصاء البيانات.
وتشير عبدالله إلى أن الكوارث المناخية، إلى جانب انعدام الأمن الغذائي ونقص المغذيات الدقيقة، يمكن أن تزيد من مخاطر الجفاف والإجهاد الحراري وارتفاع ضغط الدم الحملي والسكري الحملي والولادة المبكرة وانخفاض وزن المولود “.
وتبرز محافظات المهرة وحضرموت وسقطرى بوصفها من المناطق المعرضة للأعاصير، بينما تواجه المناطق الجبلية والمرتفعات مخاطر الأمطار الموسمية والسيول وقطع الطرق، في حين تتعرض المناطق الساحلية لموجات الحرارة المرتفعة.
ولا توجد، بحسب الوزارة بيانات خاصة بالنساء النازحات بسبب الكوارث المناخية، وهو ما يترك إحدى أكثر الفئات هشاشة خارج الصورة الإحصائية الدقيقة.
وتضيف لـ”عابر”: “أن استكمال نظام الإنذار المبكر وربطه بالسجلات الطبية، بما فيها بيانات الصحة الإنجابية، يمكن أن يسمح مستقبلًا باستجابة أسرع عند وقوع المخاطر المناخية”.

مخاطر لا تُرى بالعين
توضح الطبيبة فاطمة المحروقي، وهي أخصائية نساء وتوليد “إن النساء الحوامل في المناطق الساحلية يتعرضن للإجهاد والجفاف والإغماء، في الأشهر الأخيرة من الحمل، وبأن فقدان السوائل والأملاح نتيجة التعرق يفاقم المشكلات لدى النساء المصابات بفقر الدم أو سوء التغذية”.
وتضيف المحروق لـ”عابر”: ” أن شح المياه النظيفة وتلوث مصادر المياه عقب الأمطار والسيول يفتحان الباب أمام الأمراض المنقولة بالمياه، ومنها الكوليرا، التي قد تؤدي إلى الجفاف ومضاعفات خطيرة إذا لم تحصل الحامل على الرعاية والعلاج في الوقت المناسب”.
وتدعو المحروقي إلى رفع الوعي بين النساء وأسرهن بشأن مخاطر الحرارة والجفاف، وأهمية المياه الآمنة والمتابعة الدورية للحمل، والتوجه المبكر إلى المرفق الصحي عند ظهور علامات الخطر، مثل النزيف والصداع الشديد وارتفاع ضغط الدم والحمى وآلام البطن الشديدة أو انخفاض حركة الجنين.
المناخ يكشف هشاشة النظام الصحي
لا يمكن فصل المخاطر المناخية عن واقع النظام الصحي في اليمن. فبحسب منظمة الصحة العالمية، نحو 46 في المئة من المرافق الصحية في اليمن إما يعمل بصورة جزئية أو خارج الخدمة، بينما تشير تقديرات المنظمة لعام 2026 إلى أن نحو 60 في المئة فقط من المرافق الصحية تعمل بصورة كاملة.
وفي المقابل، يؤكد البنك الدولي أن الاستثمار في الخدمات الصحية والمياه والصرف الصحي والبنية التحتية القادرة على الصمود أمام الصدمات المناخية أصبح جزءًا أساسيًا من حماية الناس في اليمن.
وتزداد أهمية ذلك بالنسبة للنساء الحوامل، لأن تأخر الوصول إلى الرعاية في حالات الطوارئ التوليدية قد يحول مضاعفة قابلة للعلاج إلى خطر على حياة الأم والجنين.
التغيرات المناخية في المشهد الصحي
يرى رئيس المركز اليمني للإعلام الأخضر معاذ المقطري، إن التغيرات المناخية في اليمن لم تعد تحولًا بيئيًا مجردًا، وإنما أصبحت أزمة صحية وإنسانية ملموسة تهدد النساء، وخصوصًا الحوامل والمرضعات، في ظل تداخل موجات الحر والسيول والفيضانات والجفاف مع الفقر والنزوح وسوء التغذية وضعف الخدمات الصحية.
ويشير المقطري إلى أن درجات الحرارة في مناطق من الحديدة والساحل التهامي وعدن وأبين ولحج تقترب من 45 درجة. وتؤدي السيول في مناطق النزوح، إلى انتشار بؤر البعوض والأمراض، مثل الملاريا وحمى الضنك والكوليرا ويؤكد لـ”عابر”: “أن النساء والأطفال يشكلون نحو 76 في المئة من المصابين بهذه الأوبئة في المخيمات، في ظل ضعف شبكات الصرف الصحي الخدمات”.
ويضيف المقطري أن الكوارث المناخية تقطع شرايين الحياة عندما تجرف السيول الطرق الرئيسية أو تعزل المناطق النائية عن المرافق الصحية. ويشير إلى أن أقل من 50 في المئة من المراكز الصحية تعمل بكفاءة وأن 46 في المئة من المرافق تفتقر إلى أطباء نساء وتوليد، فيما يقدر أن نحو 500 ألف امرأة حامل في مناطق الخطر يواجهن صعوبة في الوصول إلى خدمات التوليدية.

وفاة 3 نساء يوميًا بسبب الحمل
وتؤكد البيانات المنشورة من قبل صندوق الأمم المتحدة للسكان هشاشة النظام الصحي اليمني؛ إذ إن نحو 40 في المئة من المرافق الصحية تعمل جزئيًا أو أصبحت خارج الخدمة، ولا تستطيع سوى واحدة من كل خمس منشآت صحية عاملة تقديم خدمات صحة الأم والطفل. كما تتم 6 من كل 10 ولادات دون وجود عامل صحي ماهر، ولا تحصل 4 من كل 10 نساء على رعاية.
ويربط المقطري بين الكوارث المناخية وارتفاع احتمالات الولادة المنزلية، قائلًا إن قطع الطرق بسبب السيول، إلى جانب الفقر وتضرر مصادر الدخل والغذاء، قد يدفع بعض الأسر إلى اختيار الولادة في المنزل. ويشير إلى أن أكثر من 55 في المئة من الولادات في اليمن تتم في المنازل دون إشراف طبي ، وأن النسبة قد تتجاوز 70 بالمئة في المناطق المعزولة بالسيول في الحديدة ومرتفعات شمال غرب اليمن.
وأضاف المقطري أن اليمن تسجل وفاة امرأة واحدة تقريبًا كل ساعتين بسبب مضاعفات الحمل والولادة، بحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان في بياناته عن اليمن، بينما تشير بيانات أحدث منشورة للصندوق نفسه إلى وفاة 3 نساء يوميًا بسبب مضاعفات الحمل، وبأن 80 في المئة من 765 ألف امرأة حامل يفتقرن للوصول لرعاية الأمومة المنقذة للحياة. مع إمكانية الوقاية فيما لو كان الوصول إلى الرعاية أمرًا أسهل.
ويشير المقطري إلى أهمية بالتغطية الإعلامية للنساء الحوامل، فالصحافة مطالبة بالانتقال لصحافة بيانات قائمة على الأدلة، من خلال ربط الظواهر المناخية بالمؤشرات الصحية.
الحماية تبدأ قبل وقوع الكارثة
وفي بلد تتقاطع فيه الحرب مع الفقر والنزوح وتغير المناخ، لا تبدو حماية المرأة الحامل قضية صحية منفصلة، بل جزءًا من معركة أوسع للحفاظ على حياة الأسرة والمجتمع.
فالطريق الذي تجرفه السيول ليس مجرد طريق مقطوع؛ قد يكون الطريق الذي تسلكه امرأة إلى المستشفى لإنقاذ جنينها أو حياتها. والدرجات التي تبدو مجرد رقم على مقياس الحرارة قد تتحول بالنسبة إلى حامل تعاني من فقر الدم أو سوء التغذية إلى أزمة صحية حقيقية.
وبينما ينتظر نظام الرصد أن يكتمل، تستمر النساء في مواجهة الكارثة على الأرض؛ في القرى الساحلية، والمرتفعات، ومخيمات النزوح، وعلى الطرق التي قد تنقطع في اللحظة التي تبدأ فيها آلام الولادة.

